آخر تحديث  الثلاثاء 19 06 2018 22:24
أخترنا لكم
مقالات
الأكثر زيارة
د: محمد جميح
إنها المنظومة لا النظام
كتابات: محمد جميح يأتي الفرد من دولة من دول العالم الثالث، فيقف أمام إشارة المرور، ينتظم في طابور طويل أمام كاونترات المحلات التجارية، وصرافات البنوك، ويقعد على كرسي الانتظار بصبر، ليأتي دوره في العيادات والدوائر الحكومية، وحتى في المطاعم العربية في البلدان الأوروبية. هذا فصل واحد من القصة. الفصل الآخر أن ذلك الشخص عندما يعود إلى بلده الأصلي، في زيارة لا تزيد عن شهر واحد على أكثر الاحتمالات، فإنه منذ اللحظة التي يطأ فيها أرض المطار يبدأ في البحث عن ضابط أو موظف في المطار ليعطيه جواز سفره، وفي طيات أوراق الجواز يضع أوراقاً مالية، ليقوم الضابط أو الموظف المذكور بتخطي الطابور أمام شبابيك تأشيرات الدخول، وفي لحظات يكون الجواز قد دمغ بختم الدخول. ينطلق المسافر في سيارة من المطار، بدون أن يعير أي اهتمام لحزام الأمان الذي واظب على ربطه وهو في مدينة المهجر. تنطلق السيارة بسرعة تخالف قواعد المرور، وربما قطعت الإشارات الحمراء، ولم تعر أي اهتمام لحياة الآخرين، ويمضي إيقاع يومياته على هذا النحو طول مدة إقامته في البلد الذي يزوره. ثم ماذا؟ يعود هذا الشخص من زيارته العائلية، أو من إجازته وقد ارتكب في بلده الأصلي كل المخالفات التي يمكن أن يدخل بواحدة منها فقط السجن في بلد المهجر. لكن ذلك السلوك غير المنضبط، الذي مارسه أثناء سفره، يتوقف تماماً في اللحظة التي هبطت فيها الطائرة أرض مطار «هيثرو»، على سبيل المثال، حيث ينضبط أخونا المسافر في طابور طال أو قصر انتظاراً لدوره في الوصول إلى شبابيك التأشيرات، أو أختام الدخول، بدون أن يطرأ على باله البحث عن «الأوفيسر جون» أو «الموظفة جين» لتخليصه بسرعة من زحمة الطابور. ما الذي يحدث؟ إنها المنظومة. هذا المسافر مبرمج ذهنياً، ومعد نفسياً على التعامل بشخصيتين، أو بشخصية مزدوجة. إنه، إن جاز التعبير، قام بعمليات تحميل لبرنامجين متعاكسين داخل خلايا دماغه، ومساحاته النفسية والوجدانية، برنامج يناسب لندن، وآخر يناسب مدينته الأصلية التي جاء منها. إنها المنظومة إذن، إنه البرنامج الذي يتم تحميله و»السيستم» الذي تعمل وفقاً له البرامج المُحمَّلة. ولكي نختصر المسألة، فإن المشكلة ليست في الأفراد، إنها في المنظومات، إنها في الأنساق الثقافية، في التنميطات الاجتماعية، في شبكة العلاقات المفاهيمية، وهي أبعد عن كونها في الأنظمة السياسية وحسب، إنها في المنظومة السياسية، حيث المنظومة أوسع مفهوماً من النظام. المشكلة ليست في جهاز «الحاسوب» قدر ما هي في نوعية «السوفتوير» المحمل ضمن هذا «الهاردوير» الضخم المسمى العالم الثالث. دعونا نقترب أكثر من تخوم السياسية. تهتف المعارضة في دولة عالمثالثية صباح مساء بالديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، ترفع شعارات التعددية والرأي والرأي الآخر، تدعو إلى تنظيف السجون السياسية، تدعو إلى حرية الصحافة والإعلام، وحقوق المرأة، والتبادل السلمي للسلطة، وسيادة القانون. تتهم النظام بالفساد والمحسوبية، تتهمه بالقمع والاضطهاد وكبت الحريات، تلقي عليه باللائمة في تردي الأوضاع الاقتصادية للوطن، وتضعضع الأحوال المعيشية للمواطنين. مع ملاحظة أن كل ما تقوله المعارضة في حق النظام صحيح، إلا أن النظام لا يتحمل وحده المسؤولية عن كل تلك التهم الموجهة ضده من قبل المعارضة، ثم إن المدهش أن المعارضة في هذا البلد أو ذاك من بلداننا، إذا ما واتتها الفرصة في الوصول إلى السلطة بانقلاب عسكري، أو بثورة شعبية أو مسلحة، أو بانتخابات تعد فلتة من فلتات الدهر، فإن هذه المعارضة تتكشف عن كونها الوجه الآخر للنظام الذي كانت تعارضه من قبل، بل الوجه الآخر الأكثر سوءا من النظام ذاته. ما الذي جرى؟ لماذا تنكرت المعارضة لطروحاتها؟ لماذا مارست ما كان النظام الذي ثارت عليه يمارسه من جرائر وموبقات؟ لماذا أخفقت في تنفيذ برامجها الانتخابية بشكل مريع؟ ستقول المعارضة إن النظام السابق هو الذي عرقل إصلاحاتها الاقتصادية، وهو المسؤول عن عدم تنفيذ برامجها للانفتاح السياسي، وهو الذي عطل خططها لإصلاح شبكات الضمان الاجتماعي، وهو الذي بسببه تعثر تنفيذ مشاريع المطار الجديد والخط السريع، والمدن السكنية، بدون أن ننسى تعثر المشروع الطموح للمعارضة في بناء محطات توليد الطاقة النووية السلمية. كل هذه الدعاوى والاتهامات يمكن أن نقبل جزءاً منها، مع ضرورة تحميل المعارضة، التي أصبحت سلطة، جزءاً آخر من فشل برامجها الانتخابية. نعود للمسافر الذي كان في لندن وسافر إلى صنعاء، وركَّب شريحة مختلفة ليس في تليفونه وحسب، ولكن في خلاياه ومساحاته الذهنية، ولديه القابلية للعمل منظماً أو فوضويا حسب نوعية «السوفتوير»، الذي يتم تحميله. إن المعارضة السياسية عندما تكون خارج السلطة تطرح طرحاً يكون فيه شيء من الدعاية الانتخابية، وا
إضافة تعليق
الأسم
الموضوع
نص التعليق